المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من مفارقات القول الشعري الأمازيغي التقليدي


thirala
06-27-2008, 02:50 AM
تمهيد: يستطيع المتتبع لمكانة الشعر الأمازيغي التقليدي ـ بوادي دادس بإقليم ورزازات ـ وقيمته في علاقته بالثقافة الذكورية أولا، وقيمة الكلمة كرأسمال رمزي من جهة ثانية، أن يخرج بملاحظة أولية: إذ في ظل الثقافة الذكورية يتم الإعلاء من شأن الفعل (العمل)، فيما الكلام هو تعبير عن ضعف. في ذات الوقت نجد الاعتقاد سائدا في سلطة الكلمة أو قوتها السحرية التي تجعل منها معادلا للسلاح في عنفه المادي. إذن المفارقة التي تحكم القول الشعري التقليدي كنمط من الكلام هو تأرجح قيمته بين السلب والإيجاب تأرجح الثقافة التي ينبع منها بين تمجيد القوة الحربية كمظهر للطبيعة، وتعظيم الكلمة كمظهر للثقافة ومحدد للرجولة وضامن للعهود والمواثيق التي تدور في الحقل الدلالي للفظة "أوال" (أي الرجولة والعهود).

في الرفع من قيمة الذكور والعمل: في ظل البنيات الانقسامية، تحتاج القبيلة القائمة على تقسيم جنسي للأدوار إلى الرجال كحملة للسلاح، فيما النساء(1) لا يحملن السلاح، ويؤدي أي اعتداء عليهن إلى إسقاط صفة الرجولة عن المهاجم، لأن الرجولة (Tirrugza) تقوم على المواجهة بين طرفين متعادلين مع ضرورة تجنب الخيانة حيث يتم إنذار الخصم (Awettu) على الأقل نظريا لكي يستعد. هذا الشرط القيمي لا يحترم في الواقع إذ ترد حكايات عن انهزام عشائر بعد أن تعرضت لهجوم غادر، مما أدى إلى النزوح.

ويظهر الإعلاء من شأن القدرة الحربية للرجل في حكايات من التاريخ المحلي تتحدث عن أمهات يزغردن لمقتل أولادهن في الصراعات لأنهم ولدوا ليًقتلوا أو يَقتلوا(2)؛ وفي حكايات تتحدث عن بقر بطن النساء الحوامل! مخافة إنجابهن لأطفال ذكور ينتقمون بعد حين لذويهم؛ وعن تهريب أطفال ذكور صغار بعد طلائهم بمادة الحناء حيث يعتقد المغيرون أنهم إناث.

من خلال القيم الحربية ترتفع إذن مكانة حامل السلاح لأنه يراهن بحياته من أجل الجماعة، ولأنه فاعل وليس مجرد متكلم، وخير معبر عن مكانة الفعل، المثل الأمازيغي القائل: »من يفعل لا يتكلم، ومن يتكلم لا يفعل« (Wanna yeskaren ur da ittini, wanna yettinin ur da yeskar) بينما تنحط مرتبة المتكلم، والشاعر متكلم منتج للقول.

غير أن الكلام في نفس الآن يمتلك قيمة في تعاملات المحارب كرجل عرض(3) Homme d'honneur طالما أنه يتم التمييز بين كلام النساء وكلام الرجال؛ هذا الأخير من محددات الرجولة إلى درجة جعل الكلام قرين الرجل في المثل القائل: »كلامك قرين لك« (Awal nnek aqerin nnek). ولتحدي من قدم وعدا شفويا يقال: »Ak ig Rebbi d awal nnek«؛ ومعناه: ليجعلك الله ملتزما بوعدك.

قدسية الكلام ومظاهره: يمتلك الكلام عموما، والكلم الشعري على الخصوص، قدسية تجعل منه سلاحا يتجاوز مفعوله الحاضر ليطال ذرية الفرد.

ومن مظاهر قدسية الكلام على العموم، الاعتقاد في أن شهادة الزور والعمل على تزييف الوقائع تتولد عنهما اللعنة (Tagat, ayarebrid, amuttel)، مما يمنح ضمانة للقسم الجماعي. كما أن شاهد الزور يفقد عذريته الاجتماعية ـ إن صح التعبير ـ إلى الأبد(4)، أي أن كلامه يصبح عديم القيمة أمام رجال صانوا كلمتهم أو في مستوى كلمتهم، ولو أدى الأمر إلى خراب بيته(5).

وتظهر قدسية الكلمة على مستوى مفعولها السحري في كلام الصلحاء من خلال دعواتهم التي تمنحهم سلطة معنوية. إذ يعتقد أن دعاءهم على الفرد دون حاجة إلى العنف يكفي لإصابة الملعون بالخسائر في جسده وممتلكاته وذريته، إذ يشبه كلام الصالح (Agwerram) بالرصاص (Loemmaret) الذي لا يمكن إيقافه إذا انطلق. هكذا تساهم هالة القداسة التي تحيط بالكلمة في حماية الوعود والمواثيق طالما أن المؤسسة المختصة في ضمان التعاقدات غائبة عن المجتمع القبلي التقليدي.

أما فيما يتعلق بالقوة السحرية للكلمة الشعرية فتبرز بالنسبة للشاعر في استنجاده بالله والصلحاء ليلهموه قول الصواب؛ طالما أن قوله الشعري هبة لدنية لا يد له فيها، مما يستدعي تجنب إغضابه لأن دعوته مستجابة. لهذا نجد بعض النساء العاقرات يطلبن من الشاعر عندما يمر من قراهن أن يدعو لهن بالإنجاب مقابل نذر، علما أن النذور تقدم كذلك للأضرحة طلبا للإنجاب؛ مما يضع الشاعر ـ نوعا ما ـ في مرتبة الصالح؛ بل إن أحد صلحاء قرى دادس لم يكن فقيها بقدر ما كان نوعا من مرتادي المراقص أي "أفرّاج" حسب بعض الروايات الشفوية.

ومما يبرر القوة السحرية للكلمة الشعرية أن الناس يتفاءلون أو يتشاءمون من الأبيات الشعرية التي يقولها الناظمون (Id leorif) في ملتقيات "أحيدوس" لأن الشعر ينتمي إلى "علم الكرش" كعلم يصدر الحقيقة مقارنة بعلم الكتب. كما أن المرقص يتحول لحظة "أحيديوس" إلى مكان يتمتع بحرمة، أو عبارة عن حرم (Agwdal) أو مجال مقدس قد يصاب فيه المتهور بعلة، خصوصا إذا ارتجل أحد الناظمين مقاطع في حينه للتعليق على التصرف اللامسؤول(6). ومما يحكى أن امرأة حاملا سخرت من ناظم بعينه عورٌ، فدعا عليها مستفهما إن كانت تسخر من الخالق أم من المخلوق؛ وحينما أنجبت وضعت مولودا مشوها.

خاتمة: يمكن الاستنتاج مما سلف أن الكلمة في الثقافة التقليدية الأمازيغية بوادي دادس تتمتع بقيمة سحرية يزيد منها ربطها بالرجولة في ظل مجتمع ذكوري للثقافة تعمل النساء على الحفاظ عليها وإن كن من بين ضحاياها. وهذه القيمة السحرية لا تفهم إلا في ظل بنيات اجتماعية لا ضامن فيها للمواثيق إلا كلمة الأشخاص التي تعتبر جزءا من الجاه الاجتماعي أو الرأسمال الرمزي. لكن في ظل فك سحر العالم (Le désenchantement) الذي تحدث عنه "ماكس فيبر"، تصبح قدسية الكلمة جزءا من عالم ينهار أمام قيم المجتمع الاستهلاكي وعقلانيته؛ وإن ظلت هذه القدسية تبرز في بعض الوقائع الجماعية في العقد التاسع من القرن العشرين حتى لدى بعض المتشبعين بالخطابات الإيديولوجية السائدة في الحقل الثقافي المغربي

بقلم: الحسين دمامي

امير الحزن
06-30-2008, 08:28 PM
يمتلك الكلام عموما، والكلم الشعري على الخصوص، قدسية تجعل منه سلاحا يتجاوز مفعوله الحاضر ليطال ذرية الفرد.

جزاك الله خيراا اختي تيرلا على الطرح المميز

تحياتي لك

thirala
06-30-2008, 10:26 PM
شكرا على المرور أمير الحزن

ouzzabrahim
07-07-2008, 04:38 PM
موضوع جميل وقد اعجبني لأنني من سكان واد دادس وبالضبط من بومالن دادس
ولاكنني لا أتفق على نقطة واحدة وهي ادراج كلمة "مرقص" و كانك بدالك تحاولين القول بأن حفلات أحيدوس مجرد أماكن لرقص و ان كل شخص سمي "أفرّاج" فهو بلاعب هوى

thirala
07-07-2008, 11:42 PM
اطلاقا اخي ليس هذا هو المقصود بالكلمة

Misnarif
07-28-2008, 01:13 AM
مــشكورة يـــا غــالــيتي واصــل تـمـيـزك و امـتعــنا بــمــواضــيعــك الــرائــعه

thirala
07-28-2008, 04:46 PM
شكرا اخي وواصل ردودك الجميلة