الحسين ايت علي
10-12-2007, 05:04 PM
ينطلق الشاعر محمد العمالى فى ديوانه الشعرى الأول من الهوية الأمازيغية مدافعا عن لغته الأم، لغة تمازغا وأداة ثقافتها وحضارتها. فاللغة أس الهوية والوجود الأمازيغى ودليل كينونة الإنسان الأمازيغى فى الماضى والحاضر. ويرفض الشاعر فى قصيدته الشعرية” أوارن ذى رميزان/ الكلام فى الميزان” أن تصبح اللغة الأمازيغية لغة للمسخ والتشويه والتقعر، أو تكون لغة للتسيب والتخلف والبداوة والانحطاط يستغلها سماسرة السراب من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية ومآربهم النفعية. يعد محمد العمالى من أهم الشعراء الأمازيغيين المتميزين فى منطقة الريف بالمغرب الأقصى. وتتسم كتابته الشعرية بالتنوع واستعمال لغة شعرية أصيلة تتميز بالطبع والعفوية وفطرة السليقة والابتعاد عن شعر التصنع والتكلف.
وينطلق فى مواضيعه الشعرية من الذات نحو القضايا الاجتماعية المحلية و القضايا الوطنية والقومية والإنسانية. ومن المعروف أن الشاعر محمد العمالى من رجال التعليم البارزين الذين قدموا الكثير لناشئة مدينة الناظور، وقد أصبح اليوم مديرا لمؤسسة تعليمية ابتدائية أعطى لها الكثير من أوقاته الثمينة، وبذل مجهودات جبارة وقدم تضحيات جسيمة من أجل تطوير مدينته وتنميتها ثقافيا وتربويا وإداريا.
ويعرف عنه كذلك أنه من أهم المتخصصين فى مجال السينوغرافيا الدرامية بالناظور، ومن الذين يهندسون الخشبة المسرحية ويؤثثونها بإتقان ومهارة تنم عن كفاءة وإرادة صلبة وحب للعمل الفنى وإخلاص له. واليوم، يُصدر الشاعر محمد العمالى ديوانه الشعرى الأول بأمازيغية الريف، ويكلفنى مشكورا بتقديمه للقراء تقويما وتحليلا وتوجيها.
لغة الأجداد
إن اللغة الأمازيغية هى لغة الأجداد و صورة الفنون والآداب، لابد من تقديرها جيدا واحترامها والتشبث بها، لأننا عبرها نستطيع أن نحقق وجودنا الحقيقى و لانسقط فى مغبة الضياع والاغتراب الذاتى والمكاني، يقول الشاعر:
خساغ ثمازيغت ءاتيري
ذاوارن ذى رميزان
ءوريد ذرهات ءينيشان
نيغ ذرغنوج تمانزان
ءيتارات ءومذياز
ذربهيمث، خمى ت ءوزان
ويستمر الشاعر فى الدفاع عن الهوية الأمازيغية ويدعو أبناءها إلى تعلم لغتها وكتابتها من أجل الحفاظ على وجودهم وبقائهم، وأن العلم هو مقياس الإنسان الشريف وليس هو المال الزائل. فبالعلم يستطيع الإنسان أن يستشرف المستقبل وأن يرفع رأسه أنفة وكرامة، ويتجلى هذا الطرح المعرفى واضحا فى قصيدته الشعرية:” زعاف ن تغوري/ مرارة من لم يتعلم”.
وينتقل الشاعر بعد ذلك من قضية الهوية والتشبث بالكينونة واحترام الخصوصية اللغوية الأمازيغية إلى القضية الوطنية ويرصد موقفه من مدينة مليلية، المدينة المغربية السليبة التى احتلها المستعمر الإسبانى مشبها إياها بحسناء جميلة تنبض بالحيوية والبهاء الرائع والحسن الخارق، ولكنها فى الداخل تعانى من الذل والضيم إلى جانب أخواتها كسبتة والجزر الجعفرية وحجرة باديس. وبعد أن يندد الشاعر بوضعية الأمازيغيين الذين فرطوا فى هذه المدينة اليتيمة يعد الشاعر مدينة مليلية بأنه سيأتى يوم لابد أن تتحرر فيه من قيود الاحتلال لتعود إلى أرض الوطن معززة مكرمة، وأن الإنسان الأمازيغى لايمكن أن يفرط ولوفى شبر واحد من أرضه:
مريتش ءينو ياشنان
زين ءاثنواث
واشام ءانتتو عماص
واشام نتحوز ذى ثغماث حوما يظهاد رحاق
ءاتعقباذ غا رعماث
أزايم نفاظ ءاسنان
وارذايم ءانتجى رايماث
ويتناول الشاعر فى مجموعة من قصائد الديوان طبيعة الإنسان المعاصر فى واقعنا الأمازيغى المتردى الذى أصبح فيه الإنسان يتلوى كالأفعى ويحمل وجوها متعددة وصورا اجتماعية متناقضة، يتسلق على حساب الآخرين لتحقيق مآربه الشخصية. إنه إنسان حربائى بدون قيم ولا أخلاق ويبدو هذا واضحا فى قصيدته الشعرية الاجتماعية ذات الطابع الواقعى “شاك ذ مين تسوكيذ/ أنت وقيمتك”.
ويدين الشاعر الإنسان المذلول فى قصيدة أخرى تحت عنوان” يازيض مونشيف ن- ييري/ الديك ذو العنق العاري”، ذلك الإنسان الذى يرضى بالضيم والعار والهوان دون حراك أو انتفاض. ويشغّل الشاعر رمز الديك للإحالة على الإنسان الضعيف الذى تتحكم فيه الظروف ولا يستطيع تغييرها أوالوقوف فى وجهها بالتحدى والصمود، بل يتواكل على الآخرين ويرضى بكل مطمح هزيل ويقتات بفتات الآخرين.
هذا، ويذكر الشاعر فى قصيدته” تيو تيو/صداح الطير” ما يعانيه الإنسان فى مسيرة حياته منذ أن يكون طفلا حتى يصير شابا وكهلا. فيجد أمامه عقبات الحياة الكثيرة والمتاريس العديدة التى تحول دون سعادته وتحقيق ما يصبو إليه من هناء وطمأنينة. ومن ثم، فالحياة حسب الشاعر تعب فى تعب وصراع ومكائد وعراقيل يصعب تذليلها إلا بشق الأنفس والصبر الجميل.
ويشبه الشاعر الحياة بالحمّام بسبب كثرة التناقضات وجدلية القيم، فهناك من ينعم بدفء المكان وهناك من يتعذب من شدة القر وقسوة البرد، وهناك من يسعد ببحبوحة العيش ورغد العيش، وهناك من يشقى فى الحياة بسبب الفاقة والفقر. ويعنى هذا أن الحمّام يعكس تفاوتا اجتماعيا وصراعا جدليا بين الناس. وبالتالي، فالبقاء للأقوى والأصلح، فلا مكان للضعيف أو الفقير البائس؛ لأن الحياة فرص وحظوظ وحركة دائبة تعبر فى جوهرها بكل جلاء عن الطرح الهيجيلى ألا وهو: جدلية السيد والعبد. وهذا ما توضحه قصيدته التعليمية النابضة بالحكمة والمعنونة بــ” رحمّام/ الحمام”.
ويفلسف الشاعر الحياة ويرصد صيرورة الإنسان فى صراعه مع الزمن والمكان، وصراعه مع الواقع وكينونته الذاتية. فاليومية فى قصيدته الشعرية” ثموسانت/ اليومية” تغير حياتها و أوراقها فى كل لحظة وآن حسب الأيام و الفصول، ويؤشر إيقاع التغير والسرعة على جدلية الحياة والموت والتجدد والفناء:
تسغدجاى رحندار
ءارامى وار تغيمي
ثوذاث ناس ءاتعضار
ثخزار غا ييمار
ذنهار ذيت غايندار
ءاديساك ثانضني
نتاث ءاتيبادار
ويثور الشاعر على المرأة الأمازيغية، وينظر إليها نظرة سلبية قوامها الحذر والخوف والترقب، وبذلك يلـ مح الشاعر إلى تغير المرأة وتحولها من امرأة عاملة مسؤولة متخلقة و صبورة إلى امرأة مستهترة لايمكن الثقة فيها:
عماص وارذاس ءاقار
فرانا، ذاياس ءانياث
ءاتجاغ ذ –گووخام
ءاتحظا سينياث
وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى ماهو قومى وإنسانى فى قصيدته” برراي/ اقبل” ليعانق مشاكل المسلمين الذين يعانون كثيرا من الضيم والجور والبؤس فى ظل الغطرسة الصهيونية والتكالب الاستعمارى الغربى كما فى فلسطين ولبنان والبوسنة والهرسك منددا بالمسؤولين الذين فرطوا فى واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه إخوانهم المسلمين وانساقوا وراء الشهوات ومتع الحياة:
سمحان ذ- گمسارمان
وارذاسان ءاگين بو فراي
ءاجينتان ءيرومايين
ذءوذاين ءيوافراي
ذى لبوسنا، ذ- لهيرساك
تموث نازيتون بو ثفراى
ويرثى الشاعر الباحث قاضى قدور رائد الدراسات الأمازيغية فى الدرس اللسانى المعاصر بالمغرب الأقصى فى قصيدته الشعرية الرائعة”ثارزوگى ءونوري/ مرارة الموت” مفلسفا إشكالية الموت آملا فى أن تعاد الحياة إلى الفقيد الذى أعطى الكثير من علمه وعصارة فكره لينور مجتمعه من أجل أن يلتحق بركاب المعرفة والتنمية.
وقد استهل الشاعر قصيدته مبينا تحسره وتفجعه الشديد على الميت، وبعد ذلك تخلص إلى تعداد صفاته الطيبة وخلاله الفاضلة مشيدا بعلمه ومجهوداته الجبارة فى خدمة القضية الأمازيغية والتفانى فى الاهتمام بالعلم.
كما نوه بتواضعه وكمال صفاته داعيا له أن يغمده الله فى قبره بالمغفرة والرحمة والسقيا والسلوان، وأن ينور قبره ويحوله إلى شمس تضيء حياته الأبدية. ولم ينس الشاعر أن يحيى أسرته ولاسيما والدته التى تعبت فى تعليمه وتربيته أحسن تربية.
وأجمل ماختم به الشاعر فى قصيدته حينما شبه الفقيد بالنور الذى لن ينقطع توهجه فى منطقة الريف، والذى سيصبح دائما أيقونا مشرقا يحيل على مكانة قاضى قدور ومسيرة حياته العلمية التى ستظل دائما مشكاة تنير ساكنة جبال الريف:
ءانتار ءاربي
ءارحماث ءاناس ءاتيري
ءاك قدور ذگ ندار
ءاذيذحا تازيري
ءامان تغاث تفوشت
خاريف ربدا ثوري
ءامان تغاث تفوشت
خاريف ربدا ثورى
خصائص الديوان من حيث الدلالة
يطفح شعر محمد العمالى بالواقعية الاجتماعية فى التعبير عن قضايا المجتمع الأمازيغى فى منطقة الريف مصورا جدلية السيد والعبد، راصدا تناقضات الحياة والصراع الطبقى والتفاوت الاجتماعي. ويحمل الشاعر فى طيات أعماقه النزعة الإنسانية حينما يثور على الإنسان المعاصر الذى أصبح معلبا ومستلبا فى عالم منحط يفتقد إلى القيم الأصيلة و الأخلاق النبيلة.
وبالتالي، يدعو الشاعر إلى بناء إنسان إيجابى متعلم يدافع عن هويته وثقافته وخصوصياته اللغوية وحضارته متمسكا بقيمه النبيلة فى توجيه ذاته وخدمة وطنه وأمته. ويتجاوز الشاعر كل ماهو محلى إلى ماهو ووطنى وقومى وإنساني، وهذا ما يجعل صدر الشاعر واسعا حليما يحس بالآخرين، متعاطفا معهم، يعايش همومهم ويشارك أتراحهم، وينصت إلى أناتهم لا يرضى بالضيم أو الذل، ويرفض الاستعمار والظلم والاعتداء الصهيوني.
وفى نفس الوقت، يثور على المستبدين والمتغطرسين والأسياد الخونة. ولا ننسى أيضا أن محمد العمالى شاعر الهوية والثقافة الأمازيغية يدافع عن الأرض والقضية الأمازيغية لغة وكتابة، ويدعو الأمازيغيين إلى الوحدة والتشبث بكينونتهم وخصوصيتهم الحضارية. ويتخذ شعر محمد العمالى كما يظهر فى الديوان طابعا تعليميا وأخلاقيا لكونه يوظف الحكم والأمثال بكثرة، ويستقى هذه النفحات الذهنية المنطقية من تجارب الواقع واحتكاكه الجيد بالناس.
خصائص الديوان من حيث الصياغة
يشغل محمد العمالى عدة أفضية بصرية فى كتابة قصائده الشعرية التى كتبها بأمازيغية منطقة الريف، وتبنى فيها الخط العربى دون أن يلتجئ مثل الآخرين من شعراء الريف إلى الخط اللاتينى وخط تيفيناغ. لقد وظف الشاعر الفضاء التناظرى الذى يذكرنا بالقصيدة العمودية التقليدية لوجود نظام الصدر والعجز ووحدة الروى والقافية كما فى قصيدة” ثارزوگى ءونوري” التى التزم فيها بالإيقاع المتوازى القائم على نظام الشطرين والمحافظة على التصريع الذى تستهل به القصائد الشعرية العربية كما فى هذا المطلع:
مرى ءوشا مــــرى ءيتيرى شا سا مري
ءيرى مرى موحار ذيرهـــــاث ءاتيـــري
وفى بعض الأحيان، يستعمل الشاعر الفضاء الموحد، ولكن المطلع يتخذ شكلا متميزا متفردا من حيث القافية كما فى قصيدته “رحمام” التى استهلت ببيت شعرى قافيته الميم، بينما الأبيات الأخرى كلها موحدة قافيتها الضاد.
وقد تتخذ القصيدة طريقة الموشحات فى استعمال الأشطر الشعرية والغصون كما فى قصيدة “ روارهاث/الاهتمام” التى استعمل الشاعر فيها نظاما بيتيا ثلاثيا:
مشحار ذى صوراف
ذگصوريف ءاناش ءازمان
ءييگـــــا ياشفار
وهكذا نستنتج أن الشاعر يستعمل قالبا عموديا يرتكز على نظام الشطرين ووحدة الروى والقافية مع استخدام التصريع تارة والتخلى عنه تارة أخرى. كما يستفيد من نظام الموشحات وتنويع الأشطر الشعرية التى تختلف من حيث الروى والقافية.وتتراوح قصائد الشاعر بين الطول والقصر حسب السياقات النفسية وطبيعة التجربة الشعرية. ومن القوافى التى يرتاح لها الشاعر فى نظم قصائده: النون، والضاد، والثاء، والراء، والياء.
وهنا بعض القوافى التى يصعب توظيفها فى اللغة العربية مثل: الضاد والياء والثاء، ولكنها تصلح للغة الأمازيغية وقصائدها الشعرية. ومن حيث الإيقاع الخارجي، فقد استعمل الشاعر عدة أنواع من الإيقاعات العروضية، إذ استخدم الإيقاع المقطعى السداسي:
ذا/ وا/ ران/ ذى ر/مي/زان 1-2-3-4-5-6
فو/نا/را/ تا/ زا/واث 1-2-3-4-5-6
واستعمل الشاعر كذلك الإيقاع المقطعى السباعي:
أم/ري/تش/ ءي/نو/ ياش/نان:1-2-3- 4-5 - 6-7
ويصل الميزان العروضى فى بعض الأحيان فى ديوانه الشعرى إلى ثمانية مقاطع:
أب/نا/ذام/ ذى ر/ وا/قتا / ياذ/وار 1-2-3-4-5-6-7-8
وقد يكون الإيقاع خماسيا كما فى هذا البيت الشعري:
ثس/حي/سيف/ ءيرم/غاب 1-2-3-4-5 وينتج عن هذا التوصيف العروضى وجود إيقاعات عروضية متعددة ومختلفة داخل ديوان الشاعر، ويعنى هذا عدم وجود ميزان عروضى واحد وصارم فى كل القصيدة يلتزم به الشاعر نهجا ومنهاجا. وبالتالي، نلفى تنوعا إيقاعيا داخل القصيدة الشعرية الواحدة. وهذا يبين أن الشاعر يكتب شعره عن سليقة عفوية وطبع متحرر دون أن يلتزم بإيقاع واحد معين. أى إن الشاعر يكتب الشعر الموحد القافية بطريقة عروضية حرة دون التقيد بعروض إجبارى فى كل قصيدة شعرية على حدة. وإذا انتقلنا إلى معجم الشاعر، فإن محمد العمالى يستعمل ألفاظا أمازيغية قحة أصيلة وغريبة فى بعض الأحيان غير مألوفة فى مجال التداول اليومى فى منطقة الريف. ومن ثم، يحسن الشاعر اختيار ألفاظه الشعرية وانتقاء أصواتها المعبرة، وقد أفلح فى استنطاقها وتوظيفها داخل سياقاتها الشاعرية الموحية.
لذلك تتسم الصور الشعرية بالرمزية والإيحاء والانزياح واستعمال المقارنة عن طريق الطباق والمقابلة والإكثار من التشابيه الحسية المادية المستعملة كثيرا فى الشعر العربى القديم كتشبيه قاضى قدور بالشمس مثلا. وعلى مستوى التداول، ينتقل الشاعر من ضمير التكلم الدال على الذات إلى ضمير “نحن” الدال على الجمع، وبعد ذلك ينتقل إلى ضمير الخطاب والغياب التفاتا وتنويعا فى المقالات التلفظية والمقامات المقصدية.
خاتمـــة القراءة
يتبين لنا - مما سبق ذكره- أن محمد العمالى شاعر أمازيغى متميز فى منطقة الريف، استطاع بلغته الأصيلة وإيقاعاته المتوازية المتناظرة أن يأسر قلوب القراء وآذان السامعين. وتتميز مضامينه الشعرية بعدة خاصيات أهمها: التغنى بالقضايا المحلية والوطنية والقومية والإنسانية فى قالب تعليمى يزدهى بالحكم والأمثال فضلا عن الاستعانة بالرمزية والتلميح والإيحاء الكنائي. ويزاوج الشاعر فى ديوانه الأمازيغى الريفى بين الأسلوب الشعرى الواضح المباشر والأسلوب الرمزى غير المباشر الذى ينبض حيوية وانزياحا. ولا ننسى أن محمد العمالى من الشعراء السباقين إلى التغنى بالهوية الأمازيغية والدفاع عن الخصوصية الحضارية المحلية ضمن رؤية إنسانية منفتحة تتسم بالإنسانية وحب الآخرين والتعبير عن مشاكل الإنسان بصفة عامة، وتصوير تناقضات الحياة بطريقة فلسفية تنم عن عمق نظرة الشاعر وكثرة تجاربه فى الحياة.
وينطلق فى مواضيعه الشعرية من الذات نحو القضايا الاجتماعية المحلية و القضايا الوطنية والقومية والإنسانية. ومن المعروف أن الشاعر محمد العمالى من رجال التعليم البارزين الذين قدموا الكثير لناشئة مدينة الناظور، وقد أصبح اليوم مديرا لمؤسسة تعليمية ابتدائية أعطى لها الكثير من أوقاته الثمينة، وبذل مجهودات جبارة وقدم تضحيات جسيمة من أجل تطوير مدينته وتنميتها ثقافيا وتربويا وإداريا.
ويعرف عنه كذلك أنه من أهم المتخصصين فى مجال السينوغرافيا الدرامية بالناظور، ومن الذين يهندسون الخشبة المسرحية ويؤثثونها بإتقان ومهارة تنم عن كفاءة وإرادة صلبة وحب للعمل الفنى وإخلاص له. واليوم، يُصدر الشاعر محمد العمالى ديوانه الشعرى الأول بأمازيغية الريف، ويكلفنى مشكورا بتقديمه للقراء تقويما وتحليلا وتوجيها.
لغة الأجداد
إن اللغة الأمازيغية هى لغة الأجداد و صورة الفنون والآداب، لابد من تقديرها جيدا واحترامها والتشبث بها، لأننا عبرها نستطيع أن نحقق وجودنا الحقيقى و لانسقط فى مغبة الضياع والاغتراب الذاتى والمكاني، يقول الشاعر:
خساغ ثمازيغت ءاتيري
ذاوارن ذى رميزان
ءوريد ذرهات ءينيشان
نيغ ذرغنوج تمانزان
ءيتارات ءومذياز
ذربهيمث، خمى ت ءوزان
ويستمر الشاعر فى الدفاع عن الهوية الأمازيغية ويدعو أبناءها إلى تعلم لغتها وكتابتها من أجل الحفاظ على وجودهم وبقائهم، وأن العلم هو مقياس الإنسان الشريف وليس هو المال الزائل. فبالعلم يستطيع الإنسان أن يستشرف المستقبل وأن يرفع رأسه أنفة وكرامة، ويتجلى هذا الطرح المعرفى واضحا فى قصيدته الشعرية:” زعاف ن تغوري/ مرارة من لم يتعلم”.
وينتقل الشاعر بعد ذلك من قضية الهوية والتشبث بالكينونة واحترام الخصوصية اللغوية الأمازيغية إلى القضية الوطنية ويرصد موقفه من مدينة مليلية، المدينة المغربية السليبة التى احتلها المستعمر الإسبانى مشبها إياها بحسناء جميلة تنبض بالحيوية والبهاء الرائع والحسن الخارق، ولكنها فى الداخل تعانى من الذل والضيم إلى جانب أخواتها كسبتة والجزر الجعفرية وحجرة باديس. وبعد أن يندد الشاعر بوضعية الأمازيغيين الذين فرطوا فى هذه المدينة اليتيمة يعد الشاعر مدينة مليلية بأنه سيأتى يوم لابد أن تتحرر فيه من قيود الاحتلال لتعود إلى أرض الوطن معززة مكرمة، وأن الإنسان الأمازيغى لايمكن أن يفرط ولوفى شبر واحد من أرضه:
مريتش ءينو ياشنان
زين ءاثنواث
واشام ءانتتو عماص
واشام نتحوز ذى ثغماث حوما يظهاد رحاق
ءاتعقباذ غا رعماث
أزايم نفاظ ءاسنان
وارذايم ءانتجى رايماث
ويتناول الشاعر فى مجموعة من قصائد الديوان طبيعة الإنسان المعاصر فى واقعنا الأمازيغى المتردى الذى أصبح فيه الإنسان يتلوى كالأفعى ويحمل وجوها متعددة وصورا اجتماعية متناقضة، يتسلق على حساب الآخرين لتحقيق مآربه الشخصية. إنه إنسان حربائى بدون قيم ولا أخلاق ويبدو هذا واضحا فى قصيدته الشعرية الاجتماعية ذات الطابع الواقعى “شاك ذ مين تسوكيذ/ أنت وقيمتك”.
ويدين الشاعر الإنسان المذلول فى قصيدة أخرى تحت عنوان” يازيض مونشيف ن- ييري/ الديك ذو العنق العاري”، ذلك الإنسان الذى يرضى بالضيم والعار والهوان دون حراك أو انتفاض. ويشغّل الشاعر رمز الديك للإحالة على الإنسان الضعيف الذى تتحكم فيه الظروف ولا يستطيع تغييرها أوالوقوف فى وجهها بالتحدى والصمود، بل يتواكل على الآخرين ويرضى بكل مطمح هزيل ويقتات بفتات الآخرين.
هذا، ويذكر الشاعر فى قصيدته” تيو تيو/صداح الطير” ما يعانيه الإنسان فى مسيرة حياته منذ أن يكون طفلا حتى يصير شابا وكهلا. فيجد أمامه عقبات الحياة الكثيرة والمتاريس العديدة التى تحول دون سعادته وتحقيق ما يصبو إليه من هناء وطمأنينة. ومن ثم، فالحياة حسب الشاعر تعب فى تعب وصراع ومكائد وعراقيل يصعب تذليلها إلا بشق الأنفس والصبر الجميل.
ويشبه الشاعر الحياة بالحمّام بسبب كثرة التناقضات وجدلية القيم، فهناك من ينعم بدفء المكان وهناك من يتعذب من شدة القر وقسوة البرد، وهناك من يسعد ببحبوحة العيش ورغد العيش، وهناك من يشقى فى الحياة بسبب الفاقة والفقر. ويعنى هذا أن الحمّام يعكس تفاوتا اجتماعيا وصراعا جدليا بين الناس. وبالتالي، فالبقاء للأقوى والأصلح، فلا مكان للضعيف أو الفقير البائس؛ لأن الحياة فرص وحظوظ وحركة دائبة تعبر فى جوهرها بكل جلاء عن الطرح الهيجيلى ألا وهو: جدلية السيد والعبد. وهذا ما توضحه قصيدته التعليمية النابضة بالحكمة والمعنونة بــ” رحمّام/ الحمام”.
ويفلسف الشاعر الحياة ويرصد صيرورة الإنسان فى صراعه مع الزمن والمكان، وصراعه مع الواقع وكينونته الذاتية. فاليومية فى قصيدته الشعرية” ثموسانت/ اليومية” تغير حياتها و أوراقها فى كل لحظة وآن حسب الأيام و الفصول، ويؤشر إيقاع التغير والسرعة على جدلية الحياة والموت والتجدد والفناء:
تسغدجاى رحندار
ءارامى وار تغيمي
ثوذاث ناس ءاتعضار
ثخزار غا ييمار
ذنهار ذيت غايندار
ءاديساك ثانضني
نتاث ءاتيبادار
ويثور الشاعر على المرأة الأمازيغية، وينظر إليها نظرة سلبية قوامها الحذر والخوف والترقب، وبذلك يلـ مح الشاعر إلى تغير المرأة وتحولها من امرأة عاملة مسؤولة متخلقة و صبورة إلى امرأة مستهترة لايمكن الثقة فيها:
عماص وارذاس ءاقار
فرانا، ذاياس ءانياث
ءاتجاغ ذ –گووخام
ءاتحظا سينياث
وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى ماهو قومى وإنسانى فى قصيدته” برراي/ اقبل” ليعانق مشاكل المسلمين الذين يعانون كثيرا من الضيم والجور والبؤس فى ظل الغطرسة الصهيونية والتكالب الاستعمارى الغربى كما فى فلسطين ولبنان والبوسنة والهرسك منددا بالمسؤولين الذين فرطوا فى واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه إخوانهم المسلمين وانساقوا وراء الشهوات ومتع الحياة:
سمحان ذ- گمسارمان
وارذاسان ءاگين بو فراي
ءاجينتان ءيرومايين
ذءوذاين ءيوافراي
ذى لبوسنا، ذ- لهيرساك
تموث نازيتون بو ثفراى
ويرثى الشاعر الباحث قاضى قدور رائد الدراسات الأمازيغية فى الدرس اللسانى المعاصر بالمغرب الأقصى فى قصيدته الشعرية الرائعة”ثارزوگى ءونوري/ مرارة الموت” مفلسفا إشكالية الموت آملا فى أن تعاد الحياة إلى الفقيد الذى أعطى الكثير من علمه وعصارة فكره لينور مجتمعه من أجل أن يلتحق بركاب المعرفة والتنمية.
وقد استهل الشاعر قصيدته مبينا تحسره وتفجعه الشديد على الميت، وبعد ذلك تخلص إلى تعداد صفاته الطيبة وخلاله الفاضلة مشيدا بعلمه ومجهوداته الجبارة فى خدمة القضية الأمازيغية والتفانى فى الاهتمام بالعلم.
كما نوه بتواضعه وكمال صفاته داعيا له أن يغمده الله فى قبره بالمغفرة والرحمة والسقيا والسلوان، وأن ينور قبره ويحوله إلى شمس تضيء حياته الأبدية. ولم ينس الشاعر أن يحيى أسرته ولاسيما والدته التى تعبت فى تعليمه وتربيته أحسن تربية.
وأجمل ماختم به الشاعر فى قصيدته حينما شبه الفقيد بالنور الذى لن ينقطع توهجه فى منطقة الريف، والذى سيصبح دائما أيقونا مشرقا يحيل على مكانة قاضى قدور ومسيرة حياته العلمية التى ستظل دائما مشكاة تنير ساكنة جبال الريف:
ءانتار ءاربي
ءارحماث ءاناس ءاتيري
ءاك قدور ذگ ندار
ءاذيذحا تازيري
ءامان تغاث تفوشت
خاريف ربدا ثوري
ءامان تغاث تفوشت
خاريف ربدا ثورى
خصائص الديوان من حيث الدلالة
يطفح شعر محمد العمالى بالواقعية الاجتماعية فى التعبير عن قضايا المجتمع الأمازيغى فى منطقة الريف مصورا جدلية السيد والعبد، راصدا تناقضات الحياة والصراع الطبقى والتفاوت الاجتماعي. ويحمل الشاعر فى طيات أعماقه النزعة الإنسانية حينما يثور على الإنسان المعاصر الذى أصبح معلبا ومستلبا فى عالم منحط يفتقد إلى القيم الأصيلة و الأخلاق النبيلة.
وبالتالي، يدعو الشاعر إلى بناء إنسان إيجابى متعلم يدافع عن هويته وثقافته وخصوصياته اللغوية وحضارته متمسكا بقيمه النبيلة فى توجيه ذاته وخدمة وطنه وأمته. ويتجاوز الشاعر كل ماهو محلى إلى ماهو ووطنى وقومى وإنساني، وهذا ما يجعل صدر الشاعر واسعا حليما يحس بالآخرين، متعاطفا معهم، يعايش همومهم ويشارك أتراحهم، وينصت إلى أناتهم لا يرضى بالضيم أو الذل، ويرفض الاستعمار والظلم والاعتداء الصهيوني.
وفى نفس الوقت، يثور على المستبدين والمتغطرسين والأسياد الخونة. ولا ننسى أيضا أن محمد العمالى شاعر الهوية والثقافة الأمازيغية يدافع عن الأرض والقضية الأمازيغية لغة وكتابة، ويدعو الأمازيغيين إلى الوحدة والتشبث بكينونتهم وخصوصيتهم الحضارية. ويتخذ شعر محمد العمالى كما يظهر فى الديوان طابعا تعليميا وأخلاقيا لكونه يوظف الحكم والأمثال بكثرة، ويستقى هذه النفحات الذهنية المنطقية من تجارب الواقع واحتكاكه الجيد بالناس.
خصائص الديوان من حيث الصياغة
يشغل محمد العمالى عدة أفضية بصرية فى كتابة قصائده الشعرية التى كتبها بأمازيغية منطقة الريف، وتبنى فيها الخط العربى دون أن يلتجئ مثل الآخرين من شعراء الريف إلى الخط اللاتينى وخط تيفيناغ. لقد وظف الشاعر الفضاء التناظرى الذى يذكرنا بالقصيدة العمودية التقليدية لوجود نظام الصدر والعجز ووحدة الروى والقافية كما فى قصيدة” ثارزوگى ءونوري” التى التزم فيها بالإيقاع المتوازى القائم على نظام الشطرين والمحافظة على التصريع الذى تستهل به القصائد الشعرية العربية كما فى هذا المطلع:
مرى ءوشا مــــرى ءيتيرى شا سا مري
ءيرى مرى موحار ذيرهـــــاث ءاتيـــري
وفى بعض الأحيان، يستعمل الشاعر الفضاء الموحد، ولكن المطلع يتخذ شكلا متميزا متفردا من حيث القافية كما فى قصيدته “رحمام” التى استهلت ببيت شعرى قافيته الميم، بينما الأبيات الأخرى كلها موحدة قافيتها الضاد.
وقد تتخذ القصيدة طريقة الموشحات فى استعمال الأشطر الشعرية والغصون كما فى قصيدة “ روارهاث/الاهتمام” التى استعمل الشاعر فيها نظاما بيتيا ثلاثيا:
مشحار ذى صوراف
ذگصوريف ءاناش ءازمان
ءييگـــــا ياشفار
وهكذا نستنتج أن الشاعر يستعمل قالبا عموديا يرتكز على نظام الشطرين ووحدة الروى والقافية مع استخدام التصريع تارة والتخلى عنه تارة أخرى. كما يستفيد من نظام الموشحات وتنويع الأشطر الشعرية التى تختلف من حيث الروى والقافية.وتتراوح قصائد الشاعر بين الطول والقصر حسب السياقات النفسية وطبيعة التجربة الشعرية. ومن القوافى التى يرتاح لها الشاعر فى نظم قصائده: النون، والضاد، والثاء، والراء، والياء.
وهنا بعض القوافى التى يصعب توظيفها فى اللغة العربية مثل: الضاد والياء والثاء، ولكنها تصلح للغة الأمازيغية وقصائدها الشعرية. ومن حيث الإيقاع الخارجي، فقد استعمل الشاعر عدة أنواع من الإيقاعات العروضية، إذ استخدم الإيقاع المقطعى السداسي:
ذا/ وا/ ران/ ذى ر/مي/زان 1-2-3-4-5-6
فو/نا/را/ تا/ زا/واث 1-2-3-4-5-6
واستعمل الشاعر كذلك الإيقاع المقطعى السباعي:
أم/ري/تش/ ءي/نو/ ياش/نان:1-2-3- 4-5 - 6-7
ويصل الميزان العروضى فى بعض الأحيان فى ديوانه الشعرى إلى ثمانية مقاطع:
أب/نا/ذام/ ذى ر/ وا/قتا / ياذ/وار 1-2-3-4-5-6-7-8
وقد يكون الإيقاع خماسيا كما فى هذا البيت الشعري:
ثس/حي/سيف/ ءيرم/غاب 1-2-3-4-5 وينتج عن هذا التوصيف العروضى وجود إيقاعات عروضية متعددة ومختلفة داخل ديوان الشاعر، ويعنى هذا عدم وجود ميزان عروضى واحد وصارم فى كل القصيدة يلتزم به الشاعر نهجا ومنهاجا. وبالتالي، نلفى تنوعا إيقاعيا داخل القصيدة الشعرية الواحدة. وهذا يبين أن الشاعر يكتب شعره عن سليقة عفوية وطبع متحرر دون أن يلتزم بإيقاع واحد معين. أى إن الشاعر يكتب الشعر الموحد القافية بطريقة عروضية حرة دون التقيد بعروض إجبارى فى كل قصيدة شعرية على حدة. وإذا انتقلنا إلى معجم الشاعر، فإن محمد العمالى يستعمل ألفاظا أمازيغية قحة أصيلة وغريبة فى بعض الأحيان غير مألوفة فى مجال التداول اليومى فى منطقة الريف. ومن ثم، يحسن الشاعر اختيار ألفاظه الشعرية وانتقاء أصواتها المعبرة، وقد أفلح فى استنطاقها وتوظيفها داخل سياقاتها الشاعرية الموحية.
لذلك تتسم الصور الشعرية بالرمزية والإيحاء والانزياح واستعمال المقارنة عن طريق الطباق والمقابلة والإكثار من التشابيه الحسية المادية المستعملة كثيرا فى الشعر العربى القديم كتشبيه قاضى قدور بالشمس مثلا. وعلى مستوى التداول، ينتقل الشاعر من ضمير التكلم الدال على الذات إلى ضمير “نحن” الدال على الجمع، وبعد ذلك ينتقل إلى ضمير الخطاب والغياب التفاتا وتنويعا فى المقالات التلفظية والمقامات المقصدية.
خاتمـــة القراءة
يتبين لنا - مما سبق ذكره- أن محمد العمالى شاعر أمازيغى متميز فى منطقة الريف، استطاع بلغته الأصيلة وإيقاعاته المتوازية المتناظرة أن يأسر قلوب القراء وآذان السامعين. وتتميز مضامينه الشعرية بعدة خاصيات أهمها: التغنى بالقضايا المحلية والوطنية والقومية والإنسانية فى قالب تعليمى يزدهى بالحكم والأمثال فضلا عن الاستعانة بالرمزية والتلميح والإيحاء الكنائي. ويزاوج الشاعر فى ديوانه الأمازيغى الريفى بين الأسلوب الشعرى الواضح المباشر والأسلوب الرمزى غير المباشر الذى ينبض حيوية وانزياحا. ولا ننسى أن محمد العمالى من الشعراء السباقين إلى التغنى بالهوية الأمازيغية والدفاع عن الخصوصية الحضارية المحلية ضمن رؤية إنسانية منفتحة تتسم بالإنسانية وحب الآخرين والتعبير عن مشاكل الإنسان بصفة عامة، وتصوير تناقضات الحياة بطريقة فلسفية تنم عن عمق نظرة الشاعر وكثرة تجاربه فى الحياة.