المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إيزران، شعر اللحظة في الأدب الأمازيغي بالريف


الحسين ايت علي
10-07-2007, 04:02 AM
يمثل الأدب الأمازيغي إحدى المقومات الثقافية الأساسية والدعائم الأولى للأدب المغربي، وهو أدب قديم يرجع إلى الينابيع الأولى للحضارة الإنسانية عامة والأمازيغية خاصة، والتي تعود إلى أزيد من ثلاثين قرنا. وككل الثقافات الإنسانية، يزخر الأدب الأمازيغي بأجناس مختلفة من الفنون، حكايات، أمثال، أساطير، مسرح، موسيقى، شعر... فالعامل المشترك بين كل هذه الأشكال الفنية هو الطابع الشفوي الذي ساهم وإلى جانب عوامل أخرى في اندثار العديد من الإنتاجات والأعمال الأدبية الأمازيغية

إلا أنه في العقود الأخيرة وبعيد الاستقلال بدأت تظهر بوادر بعث في شتى مجالات العمل الفني، أما الشكل الذي واكب هذا الانتعاش بشكل أكبر فهو الإبداع الشعري الذي يمثل العمود الفقري للأدب الأمازيغي، وهذه الميزة جعلته ينتشر بشكل أوسع داخل الأوساط الاجتماعية بشتى أشكالها، بالإضافة إلى ارتباطه بالغناء واعتناقه لهموم الجماهير، يقول الحسين المجاهد في مقال له بمجلة أفاق ما يلي

الشعر التقليدي لا ينفصل عن فني الغناء والرقص، إذ يعتبر بمثابة ظاهرة جماعية تندمج في المناخ الثقافي وفي الحياة اليومية للمجتمع الذي يتمخض عنها والذي يتوسلها كتعبير عن أفراحه وأحزانه وانشغاله

فالشعر الغنائي الأمازيغي حافظ بشكل كبير على خصوصياته، رغم كل الظروف التي قد تجعله في طي النسيان

وقبل الخوض في موضوع عرضنا بشكل مستفيض لا بأس من الوقوف عند بعض أنماط الشعر الأمازيغي كما أوردها عمر أسرير في مجلة الفنون

الأغاني الشعبية الأمازيغية بالمغرب أصالة، عطاء وإبداع، وأهم هذه الأشكال : إيزران، رغنوج، ثاماوايث، ثايفارت، أورار أمارك، أسالاو، لا دكار، تاماواشث، ثقسيسث

ثايفارث : قصيدة طويلة تتميز بوحدة موضوعية ترتكز مواضيعها على ما هو ديني، الإرشاد، الوعظ، الأمداح النبوية، أهلل

رغنوج : شعر ملحن بآلات موسيقية، مفرده أغنيج. قصيدة شعرية غنائية مصحوبة بنغمات موسيقية

ثاماوايث : عبارة عن أشعار على نوعين

النوع الأول : هجائي سامي المعاني رجال + نساء

النوع الثاني : هجائي فاحش تغزلي متهتك

أورار : في الجنوب المغربي يعني البيت الشعري الموزون التام المعنى، وبالريف يعني اجتماع نسوي في ليلة احتفال عائلي مع ترديد إيزران (ثمغرا)

ءامراك : صيغة مفرد تطلق على البيت الشعري الموزون التام المعنى، وهي قصائد ومطولات تخضع للوزن وليس للقافي

ثامدولت : لفظة تطلق على أشعار المناسبات وأناشيد ويتم تناقلها بشكل وراثي مثل إيزران نرحني

لادكار : أمداح نبوية ومرددات تغنى وتردد حول أضرحة الأولياء ويعرف محليا ب أزهيذ

ثاقسيسث : قصيدة شعرية موزونة تنبني على روي واحد تقوم على مواضيع ذات طابع قصصي أو ملحمي مثل ملحمة دهار أوبران الشهيرة

مفهوم إيزران وتجلياته

لعل أبرز شكل في الشعر الأمازيغي والذي حظي بإنتاج وفير هو إيزران وهو صيغة جمع مفردها إيزري وقد انقسمت التعاريف البنيوية إلى قسمين

القسم الأول : يرى أن كل إيزري يمثل بيتا قائما بذاته، والإيزري ملحون من بيتين (بيارتي – دافيد هارت) من سطرين

القسم الثاني : يرى بأن كل سطر في الإيزري يمثل شطر من بيت مبني على شطرين. إيزري بيت في شطرين

والواقع أن الإيزري يتزاوج بين الشكلين والشائع منها نماذج الشكل الثاني

إن الإيزري يعتبر أبسط نظما وتشكيلا من الأنماط الشعرية الأمازيغية الأخرى، ف "إيزري" عمليا مرتبط بشكل أساسي بالحياة اليومية. والإيزران شعر شعبي يستمد طاقته من الواقع ومستجداته، بحيث يسجل الإنسان الريفي مواقفه وأراءه بقالب فني بسيط وهذه البساطة كانت وراء جماليته وسرعة تداوله وحفظه

هو شعر الرعاة، شعر الحصادين، شعر أبناء وبنات الفلاحين الذين تسيل أياديهم دما وجباههم عرقا... إنه شعر المهاجرين، شعر الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن في جبهات القتال، إنه شعر الفلاحين المضطهدين في مختلف القبائل... الذين كان الجوع ينخر أحشاءهم في الوقت الذي كان فيه كبار الإقطاعيين والجنرالات الإسبان يسهرون على كؤوس الويسكي... إنه شعر الدموع، إنها أشعار الناس الطيبين، من منشورات جمعية الانطلاقة، المهرجان الأول للشعر الأمازيغي

ويتخذ إيزران مظهرين للتواجد، الأول مظهر مناسباتي (ديني، اجتماعي) والثاني مظهر حياتي ذو علاقة مع ممارسة الإنتاج الفلاحي "ثويزا" حيث تعتبر مجالا للتضامن والتآزر الاجتماعي وهي مناسبة لارتجال وإبداع أشعار/ إيزران تنسق حركة العمل وتروح عن النفس

مجمل القول إن إيزران ظاهرة شعرية لا تخضع لعامل زمني معين فهي في دينامية مستمرة وفي موعد مع الحدث فكما يقال الشعر حوار مع التاريخ

والإيزري وليد لحظة الإلقاء يرتبط بالغناء، فالشعر الغنائي الأمازيغي توازيه في أغلب الأحيان رقصات شعبية يمكن إدراج أبرزها على سبيل الإغناء لا الحصر

ءاحيدوس : تتكون هذه الرقصة من 3 عناصر، الحركة (رقص – إيزران – آلات إيقاعية) وتؤدى في شكل دائري أو صفين متقابلين يتوسطهما أعلام / الرايس

ثويست : رقصة شعبية بالريف تتميز بالحركية والسرعة إيقاعا ورقصا. يتولى أحد الحاضرين في الحفلة الضرب على البندير وتقوم الراقصة بتحريك الخصرين بقوة وسرعة تماشيا مع إيقاع البندير. حيث يحاول كل طرف إتعاب الأخر. وبالمناسبة تجدر بنا الإشارة والوقوف عند ظاهرة الشيخات فهي لا تمت إلى التراث الأمازيغي بصلة فهي بدعة استوردها قياد الاستعمار من المحلات المشبوهة التي كانت منتشرة بالمدن المغربية طيلة عهد الحماية، كما يقول الأستاذ محمد شفيق

أرايس/ رالا فويا : يمكن التمييز بين شكلين لا يختلفان من حيث المضمون وإنما في طريقة الأداء ومكانه.
إيزران أوخام : تؤدى وسط حضور نسوي داخل فضاء البيت يمكن أن تؤدى بشكل ثنائي أو رباعي وقد تؤديها المتزوجات والعازبات معا بل حتى المسنات

إيزران أوزقاق : تؤدى في الغالب بشكل رباعي تصطف أربع فتيات عازبات بشكل أفقي جنبا إلى جنب تتولى أرايس – تكون جهة اليمين – قيادة المجموعة وتطوف بها على أرجاء الحلقة وتتحرك الفتيات بخطوات بطيئة إيقاعية مصاحبة لضربات البندير (بميزان واحد) خطوة إلى الأمام وخطوة إلا ربع إلى الوراء في اتجاه اليمين بشكل طوافي، ويتخذ كل ثنائي دفا واحدا على الأكثر حتى لا يتم تغليب أصوات الآلات الإيقاعية على الغناء ويتم هذا الأخير بالتناوب في الوقت الذي يقوم فيه الثنائي الأول في إلقاء إيزري ملحن على إيقاع "أدجون" واللازمة رالا فويا، يقوم الثنائي الأخر بإبداع إيزري جديد

إيزران ظاهرة احتفالية :

إن ظاهرة إيزران "أرايس" يمتزج فيها، كما سلف الذكر، الرقص بالغناء وتؤدى أثناء الليل حيث المجال يسمع بممارسة فنية واستعراضية أكثر جمالية ويتخذ من رمراح أو ءازقاق أو أي مساحة قرب البيت ميدانا للممارسة الاحتفالية، ويفترض في المكان الشساعة والانبساط حتى يتمكن من استيعاب الحاضرين ويمكن أيضا من حرية الحركة والرقص

ويتألف الجمهور من أقارب المحتفلين وشبان القبيلة والقادمين من مداشر وقبائل أخرى، وقد يضطر بعضهم إلى قطع مسافة نصف يوم بكل مخاطرها للمشاركة في جو الحفلة من شدة حبه له وإدمانه عليه إن صح التعبير، ويكون أغلب الحاضرين شبانا يأتون للتمتع بجمالية الليل وشاعريته التي ترسمها فتيات شاعرات جميلات وأضواء القناديل وجلسة على الحصير. ويشارك بعضهم بشكل إيجابي في إضفاء جو الحماس على الحفلة. إن فضاء "رفاجث" يمثل بالنسبة للمرأة الريفية منبرا أكثر حرية وديمقراطية، فرغم البيئة المحافظة التي يطغى عليها الجانب الديني / الأخلاقي كان بإمكانها أن تتجاوب وتتراسل مع الحبيب وتعلن حبها أمام الملأ بحضور كافة أفراد العائلة وأهل القبيلة، حيث تلقي أبياتا شعرية (إيزران) تتغزل فيها بالليف أو تهجوه إن غدر بها. وبإمكانها أيضا أن تبدي مواقفها في أمور اجتماعية، اقتصادية وحتى سياسية أثناء أدائها لأرايس بكل حرية، ولقد حفظت لنا الذاكرة التاريخية نماذج من المواقف على سبيل المثال، رفض الفتيات الانصياع لقرار عبد الكريم الخطابي بإيقاف مزاولة هذا الطقس الاحتفالي وفي أحيان أخرى التودد إليه قصد السماح لهن بذلك

وفي الحقيقة لا يمكننا تناول هذا الفضاء الاحتفالي دون التوقف عند الطرف الذي قد يساهم في الإبداع بشكل أو بأخر، إنه المتلقي الذي يتخذ موضوعا للتداول الإبداعي الآلي، فهو إيجابي ناقد يعبر عن مواقفه اتجاه ما يعرض وتكون أشكال التعبير عبارة عن صيحات وردود قد تثير الفتاة وتحرك سلاحها الإبداعي وسنوضح ذلك من خلال المثال التالي

قالت شاعرة أثناء حفلة

أزودجغت أزودجغت أسيوضغط إمية

أزودجغ حتى ذويغ تشوفي نطيارا

قال أحد المتلقين

أتاويذ تشوفي نفاويطا

رد فعل الشاعرة

أوين ديساوارن أسرقامث إرعوين

تشوفي نفاويطا ذو تشماك إثغياوين

حذاس الله يهديك إرعيب أقموم

أزوغ أوشتجويبغ كقدا نرقوم

نماذج لإيزران والمواضع التي تتناولها

شعر الغزل / الحب

الحب أي رومي الحب أي سوس / أون ذيي يجين أخ يتك فويضص

ثازيات أومان ثشا غوزكن / اليق إينو أفوفورما ثوزن

ءيقافر باسيو خفريذ نطوموبين / ما يتغير أنوفيا أستد ياوي رعوين

راحغ أذقيمغ كثري نرخوخ / أذ قيمغ أكيذاك أون ذيوين أرموخ

غاي الليف ذمزيان أرضا أستفهم / ماني مايزراي إري يرا يقيم

شعر الهجاء / أزوار

ثرت تسنين أوراجي باباك ينا لا / ثن ذاك غيوي ما تحكام خ الدولة

أوذاي يشقي فيلون أورا ذفندو خ سضح / إشقايد أوشكام أثسبدغ غ الصح

أذاسغ ثغواط ك أنص إينو أثنقسم / رمراك أوهبوج أم ون يشين سم

ثرقايد أخ ثناي أليف إعبشم / أليف إنو أوي شط أم يار ثينيث إشم

شعر الهجرة

راح انداث لكتوب أياي لستذين / روخا ثفغد موضا (ثساعت) إليمانيين

راح أهولندا ويذ ميكين أشان / إكامث أوغارافو إذم دعمان إمسعان

الشعر الديني

ثاعشاث أواح أنعبذ أنتوب إربي / مارا ثوسيد رموث أناف من غنيني

أستغفر الله العظيم أربي إسمح / الدنيا أمسوق لا بد مان نروح

ردود على الموقف

أيا مولاي موحند أثسطا ننوا / مو شيهذي ربي ءانغ ثجاذ أنعيا

أيا ربي أتهذيذ أناغ يوش التسريح / ءانغ يوش التسريح خ فويا ذشظيح

إن الحديث عن ظاهرة إيزران كظاهرة شعرية غنائية احتفالية يستدعي ضرورة الوقوف عند مركب لفظي يلازمها، إنما يعتبر صفة/خاصية يميز الإيزري الريفي عن بقية الأنماط المعروفة في الشعر الأمازيغي. ولقد كثرت المحاولات والتأويلات لقراءته، إنه لفظ "رالا فويا" الذي أضحى ظاهرة بخصوص تحديد الإطار التاريخي والفترة التي ظهر فيها. وفي هذا السياق نورد مجموعة من الرؤى التي تناولت الموضوع قيد البحث والتحليل

الرؤية الأنتروبولوجية

ويمثلها الباحث الأمريكي دافيد هارت، ويقول في كتابه "أيث ورياغل" ص 169 : "ءايارالافويا كعبارة غنائية هي أكثر من مجرد خاصية ثقافية وإنما هي مؤسسة، وبالتالي يمكننا اعتبارها قبيلة ريفية."، ولقد ذهب في تأويله للمركب اللفظي (أيارالا فويا) إلى اعتبار ظهوره في الفترة التاريخية المرابطية، وبالضبط إبان هجوم يوسف بن تاشفين على إمارة انكور حيث دمرها عن أخرها وحولها إلى كومة من نار ودخان. وأمام هول الحدث وعلى إثر رؤية الفتيات لما حل برجال الإمارة أخذن يصرخن بالعربية : أبويا (وأبتاه) ثم تحولت فيما بعد إلى أيارالا فويا

الرؤية السوسيولوجية

وأبرز من يمثل هذه الرؤية هو إيمليو بلانكو إزاكا، ففي إحدى كتبه يقول : "أيارالا فويا مركبة ومعقدة... والرقص الذي يوازيها / يصاحبها هي أكثر من مجرد تمضية للوقت". ويرى بلانكو أنه ثمة علاقة متوازية بين الرقص كجزء من مظاهر الاحتفال في المناسبات مثل الأعراس والختان والسبع...والذهاب إلى السوق، فكلاهما يمنح الناس الفرصة الكافية للتجمع وفتح أفاق لعلاقات جديدة، وبديهي أن التجمع يوم السوق أكبر منه ليلة الزفاف، لكنهما يمنحان نفسا للوجود والتآزر. ويميز بلانكو بين نوعين من الرقص

الأول : رالا فويا، وتكون فيه حركات الفتيات رتيبة وشبه ساكنة

الثاني : شظيح، وتكون فيه الحركة جد نشيطة حيث تموج الصدر والخصر واهتزاز البدن

الرؤية السيكولوجية

يعتبر عمر القاضي أبرز من اعتمد هذه الرؤية، حيث بنى رأيه على حكاية أسطورية حول أصل "رالا فويا" رواها الشاعر بوزمبو، وتقول الحكاية أن مصدر "رالا فويا" يعود إلى واقعة حدثت في زمن بعيد حيث كان أهل الريف بعد جمع المنتوج وتخزينه جماعة، يقومون بتوزيعه بالعدل والقسمة ويتولى عملية التوزيع شيخ القبيلة وزوجته، وفي أحد الأيام تأخر الشيخ عن المجيء، فطال الانتظار، فجأة سمعوا صوت فتاة تنادي : رالا رالا، ياما ياما، فافا فافا (أي مولاتي، أمي، أبي) فأعقبها رد الجماعة اللا شعوري حيث كان الترديد برنة موسيقية حزينة مناسبة للموقف بعد الانتظار الذي كان يتراوح بين الإحساس بالألم من جراء الجهد المبذول والأمل والحاجة إلى سد الرمق

الرؤية التكاملية

هناك من تحدث عن اقتباس من المشارقة نتيجة الاحتكاك، لكن في غياب الدلائل المنطقية لهذا الانحلال اللغوي المفترض، سنعرض ما قد نراه ملائما استنادا إلى تفتيت المركب إلى كلمات

ويا : أداة نداء

رالا : سيدي / مولاتي

فويا : إسم علم لامرأة

thirala
10-09-2007, 05:42 PM
شكرا أخي الحسين مواضيعك رائعة

خاصة في هذا القسم